الفيض الكاشاني
53
قرة العيون في أعز الفنون ( كنگره فيض ) ( فارسى )
وبهذا العالم وخاصّيّته تتجسّد الأرواح في مظاهرها المثاليّة المشار إليها بقوله سبحانه : « فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » ، وبقوله ( عز وجل ) حكاية عن السامريّ : « فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ » « 1 » يعني به جبرئيل ( ع ) إذ كان راكباً على فرس ، « 2 » وبما ورد « 3 » إنّ النّبيّ ( ص ) كان يرى جبرئيل في صورة « دحية الكلبي » ، وأنّه كان يسمع منه كلاماً مقروؤٌ ، في كسوة الألفاظ والحروف . وإلى هذا العالم يترقّى المتروّحون في معارجهم الرّوحانية الحاصلة بالانسلاخ من هذه الصّورة الطّبيعيّة العنصريّة واكتساء أرواحهم المظاهر الرّوحانية ، وفيه يتشكّل النّفوس الكاملة بصورهم المحسوسة في مكان آخر غير مكانهم الّذي كانوا فيه ، أو يتشكّل بأشكال غيرأشكالهم المحسوسة وهم في دار الدّنيا ، ويظهرون لمن يريدون الظّهور له وبعد انتقالهم إلى الآخرة أيضاً لازدياد تلك القوّة بارتفاع المانع البدني « 4 » . وبالجملة به وفيه تَجَسّدُ الأرواح وتروّح الأجساد وتَشَخّص الأخلاق والأعمال وظهور المعاني بالصّور المناسبة لها وظهور الأشباح في المراياء وسائر الجواهر الصّقيلة والماء الصّافي أيضاً ، فإنّها كلّها من هذا العالم ، بل وفيه يرى ما يرى في الخيال من الصّور في منام كانت أو يقظة ، فإنّها متّصلة بهذا العالم مستنيرة منه كالكُوى والشبابيك « 5 » الّتي يدخل منها الضّوء في البيت ، فهو عالم وسيع يسع ما فوقه من المجرّدات بصورها وما تحته من الجسمانيّات بصورها ،
--> ( 1 ) - مريم : 17 ؛ طه : 96 . ( 2 ) - راجع : بحار الأنوار : 13 / 212 ؛ تفسير غريب القرآن : 221 . ( 3 ) - راجع : الكافي : 2 / 578 ، كتاب الدّعاء ، باب دعوات موجزات ، ح 25 . ( 4 ) - في ز : مانع البدن . ( 5 ) - الكوى : جمع الكَوّ ، الكَوَّة ، الكُوَّة بمعنى الخرق في الحائط ؛ والشبابيك جمع الشُبَّاك ، النافذة تنصب فيها أشياء متعارضة من حديد أو خشب كأنّها شبكة ، المشبّك من نحو حديد وغيره .